ماهية العفو القضائي ومشروعيته في قانون العقوبات الاتحادي دولة الإمارات العربية المتحدة د. منى كامل تركي



ماهية العفو القضائي ومشروعيته في قانون العقوبات الاتحادي
د. منى كامل تركي
تساير المشرع الاتحادي بالأخذ بمبدأ ايجاد البدائل للعقوبة المقيدة للحرية ويظهر ذلك في أنه جعل من خطورة الجريمة وجسامتها معياراً للحكم بغير العقوبة المقيدة، ففي الجنايات مهما نزل بالعقوبة عن حدها الأدنى إلا إنه يتمسك بتطبيق العقاب من جنس العقوبة المقررة (الحبس)، كما أن المشرع أولى الروابط الاجتماعية والأسرية أهمية خاصة في المواد (20) و(20 مكرر) و(21) إجراءات جزائية بانقضاء الدعوى الجزائية وذلك بهدف المحافظة على أواصر القرابة بعيداً عن العقاب مما يدل على أن المشرع يسمو بالعقوبة إلى مرتبة الإصلاح لا الزجر، فالسياسة الجنائية وسياسة التجريم والعقاب قائمة على فكرة التأهيل وإعادة الإدماج للمتهم كمواطناً صالحاً في المجتمع ولا تقوم على الانتقام من الجاني أو المذنب أو المخطئ ([1])

فالعفو القضائي يلجأ اليه القضاء من أجل الكشف عن بعض الجرائم الغامضة وذلك بعرض هذا العفو على أحد المتهمين في القضية المعروضة أمامه وبعد قبول المتهم للعفو فان عليه إن يدلي بجميع المعلومات التي تتعلق بالجريمة التي يتهم فيها ويبين الأشخاص الذين ارتكبوا الجريمة معه. فإذا قدم جميع المعلومات ونالت هذه المعلومات قناعة المحكمة يتم منحه العفو وإذا أخفى بعض المعلومات التي تتعلق بالجريمة يتم إلغاء العفو وتعتبر أقواله في هذه الحالة دليل عليه، وهذا العفو لم تأخذ به جميع التشريعات وإنما بعضها وقد أخذ به التشريع الاتحادي في قانون العقوبات
تعريف العفو القضائي في قانون العقوبات الاتحادي: إن العفو عن العقوبة هو أحد أسباب سقوطها وهو صورة من صور تطور المعاملة العقابية في السياسة الجنائية المعاصرة، ويصدر العفو الشامل عن جريمة أو جرائم معينة بنص قانون ويترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية أو محو حكم الإدانة الصادر فيها واعتبار هذه الجرائم أو تلك الجريمة كأن لم تكن وسقوط جميع العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الجنائية ولا يكون له أثر على ما سبق تنفيذه من العقوبات والتدابير الجنائية، فقد أباح المشرع لرئيس الاتحاد أن يعفو عن تنفيذ العقوبة المحكوم بها من جهة قضائية اتحادية، قبل تنفيذ الحكم، أو أثناء التنفيذ، أو أن يخفف هذه العقوبة، طبقاً للمادة (107) دستور دولة الإمارات العربية المتحدة([2])
وقد عرف بعض شراح القانون الجنائي العفو القضائي تعاريف تكاد تكون متفقة من حيث المضمون على أنه اجراء يؤدي الى انقضاء الدعوى الجزائية عند اكتسابه الدرجة الباتة ويتم عرضه من قبل سلطات التحقيق على احد المتهمين في مقابل ادلائه بمعلومات على من ساهم معه في الجريمة ويتم الغاء هذا العرض عند اخلال المتهم الذي قبل العفو بما اتفق عليه ([3]) بينما عرفه اخر بانه وسيلة قانونية لكشف الجريمة بالحصول على اقوال المتهم مقابل الاعفاء عنه عن الجريمة التي ساهم فيها([4])
فالعفو القضائي بانه مقايضة المتهم في إن يعطي المعلومات المتعلقة بالجريمة التي ارتكبها مع زملائه في مقابل العفو عنه، ويلاحظ على التعريفات السابقة ان العفو القضائي اجراء يؤدي الى انقضاء الدعوى الجزائية وهذه العبارة جاءت بصيغة العموم فالعفو القضائي ينهي الدعوى الجزائية بالنسبة للمتهم القابل للعفو بينما تبقى هذه الدعوى مقامة على الاشخاص الاخرين المساهمين في الجريمة والذين ادلى المتهم قابل العفو بمعلومات ضدهم ([5])
والعفو إجراء فردي أي ينال شخصاً ثبتت جدارته بما ينطوي عليه العفو من تسامح وهو من اختصاص رئيس الاتحاد طبقاً للمادة (107/ دستور الامارات) وله ثلاثة صور إما أن ينصب على العقوبة كلها وإما أن ينصب على جزء منها فحسب وإما أن يستبدل بها عقوبة أخف، ولا يمتد إلى حكم الإدانة الذي يظل على الرغم من العفو قائماً منتجاً جميع أثاره التي لم يتناولها العفو والعفو إجراء غير متسق مع النظام القانوني الحديث إذ بمقتضاه يخول لشخص إبطال أهم أثر لأحكام قد تصدر عن أعلى المحاكم في الدولة ثم إنه يبدو منطوياً على خرق لمبدأ الفصل بين السلطات باعتباره يتضمن الإخلال بقوة الحكم واستقلال القضاء الذي أصدره وهو في النهاية يمس الصفة اليقينية للعقوبة إذ يفتح ثغرة ينفذ منها الأمل في عدم الخضوع لها([6]) ولكن العفو وظيفة جوهرية لا غنها عنها في النظام القانوني الحديث فهو السبيل إلى إصلاح الأخطاء القضائية التي تكتشف في وقت لم يعد فيه الحكم قابلاً للطعن بالطرق العادية أو غير العادية أو يكون عيبه من نوع لا يمكن إصلاحه بطريق الطعن غير العادي المتاح([7]) العفو القضائي بأنه استثناء اورده القانون للحصول على المعلومات في القضايا الخطيرة والغامضة بموجبه يتم عرض العفو من قبل الجهات التحقيقية  بعد الحصول على الموافقة من جهة معينة على المتهم مقابل اعطاءه المعلومات الكافية عن زملائه في الجريمة التي يجري التحقيق بشأنها، ويترتب على العفو الشامل عن الجريمة استفادة جميع المساهمين فيها لأنه يرفع عن الفعل صفة التجريم فيعتبر الجاني وكأنه لم يرتكب جريمة وتسقط عن الحكم قابليته لأن يكون سابقة في العود كما تعود الأشخاص المعفي عن جرائمهم كل الحقوق التي فقدوها بسبب الحكم ([8])



[1])) حسن محمد عرب: شرح قانون الإجراءات الجزائية لدولة الإمارات العربية المتحدة ، مرجع سابق ص 296-300
[2])) المادة 107 لرئيس الاتحاد أن يعفو عن تنفيذ العقوبة المحكوم بها من جهة قضائية اتحادية، قبل تنفيذ الحكم، أو أثناء التنفيذ، أو أن يخفف هذه العقوبة، وذلك بناء على عرض وزير العدل الاتحادي، وبعد موافقة لجنة مشكلة برئاسة الوزير من ستة أعضاء يختارهم مجلس وزراء الاتحاد لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد من بين المواطنين ذوي الرأي والكفاية في البلاد والعضوية في اللجنة مجانية، ومداولتها سرية، وتصدر قراراتها بأغلبية الأصوات
[3])) د. محمود نجيب حسني: شرح قانون العقوبات القسم العام، النظرية العامة للجريمة، القاهرة ، دار النهضة العربية، ط8، لسنة 2018، ص 1106
[4])) د. محمود نجيب حسني: شرح قانون العقوبات القسم العام، النظرية العامة للجريمة، مرجع سابق ص 1107، وهو قرار صادر من رئيس الجمهورية بناء على المادة 149 من دستور مصر عام 1971، والبند 9 من المادة 56 من الإعلان الدستوري المصري الصادر في 30 مارس 2011 والمادة 74 من قانون العقوبات المصري
[5])) المادة 143 من قانون العقوبات الاتحادي : العفو الشامل عن جريمة أو جرائم معينة يصدر بقانون ويترتب عليه انقضاء الدعوى الجنائية أو محو حكم الإدانة الصادر فيها واعتبار هذه الجرائم أو تلك الجريمة كأن لم تكن وسقوط جميع العقوبات الأصلية والفرعية والتدابير الجنائية ولا يكون له أثر على ما سبق تنفيذه من العقوبات والتدابير الجنائية
[6])) د. أحمد فتحي سرور: الوسيط في قانون الإجراءات الجزائية، القاهرة ، دار النهضة العربية، ط13، لسنة 2016، ص 577
[7])) د. سليمان عبد المنعم: نظرية الجزاء الجنائي، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1999، ص 120
[8])) محمد محرم محمد علي وخالد محمد كدفور المهيري: شرح قانون العقوبات الاتحادي لدولة الإمارات ، مرجع سابق ص 377

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التعايش السلمي في القانون الدولي العام دكتورة منى كامل تركي

 التعايش السلمي في القانون الدولي العام دكتورة منى كامل تركي #السلام_أولا_#